محمد خليل المرادي
64
سلك الدرر في أعيان القرن الثاني عشر
وافر ، وإكرام متكاثر . ثم رجع إلى بلدته المدينة وأفاد واستفاد . وكان من وجوه أهل المدينة ورؤسائها . وكانت وفاته بها سنة تسع وثمانين ومائة وألف بتقديم تاء تسع . ودفن بالبقيع رحمه اللّه تعالى . السيّد عبد القادر بن شاهين - 1122 ه السيّد عبد القادر بن شاهين ، الشريف لأمه ، الحلبيّ ، الشيخ التقيّ الورع الزاهد . كان والده جنديّا ، ووالدته من ذريّة الوليّ الكبير أحمد الرفاعي ، الشهير من بيت الصياد المشهورين . وسيأتي ذكر أخيه عمر . وهذا المترجم ولد بحلب في سنة اثنتين وتسعين وألف . واعتنى به والده وأقرأه القرآن العظيم ، وجوّد على الشيخ عامر المصري . ثم بعد وفاة الشيخ المذكور ، حفظ القرآن على الشيخ عمر المصري شيخ القرّاء . وقرأ الفقه على الشيخ المعمّر قاسم النجّار ، وقرأ النحو والصرف على الشيخ عبد الرحمن العاري . وتعلّم الخطّ المنسوب بأنواعه على الأستاذ الماهر مرتضى البغداديّ الملقّب بصدر الدّين . وقرأ اللغة الفارسيّة والتركيّة على الشيخ عمر المعروف بالمقرقع القاطن بالمستدامية « 1 » ، وبرع في جميع هذه الفنون . وتوفّي والده وله من العمر أربع عشرة سنة ، وترك تركة وافرة من المال والسلاح والعقارات ، فلم يلتفت إلى شيء منها . وتسلّم الجميع أخوه الكبير ، واشتغل هو بخويصة نفسه . فاعتنى بها وخدمها . وذلك أنّه رأى نفسه أرضا أنيقة ، بكلّ خير وريقة ، إلّا أنّه ألفاها مأوى لأسد الغضب ، ونمور الجهل ، وكلاب الحرص ، وحيّات الظلم ، وعقارب الحسد . فنفى عنها هذه الآفات كلّها وحفّها بأضدادها فصارت خيرا محضا . وأخذ طريق التصوّف عن العارف باللّه تعالى الشيخ حسين الزيات القاطن في مسجد محلّة سويقة الحجّارين الذي صار الآن زاوية للسادة القادرية المواهبية . ولازم الشيخ المومى إليه مدّة حياته ، فلمّا توفّي لازم الأستاذ العارف باللّه تعالى الشيخ مصطفى المعروف باللطيفي في قدماته إلى حلب . وكان المترجم ممّن حبّب اللّه إليه الطاعة والعزلة والاشتغال بالعلوم النافعة واكتساب الكمالات واجتناب مخالطة الناس واللّهو واللعب . وكانت سيرته أنّه كان يقوم وقت الفجر فيذهب مع أخيه إلى درس النجار الشيخ صالح . وكان الشيخ يقرأ درس الفقه قبيل صلاة الصبح في مسجده . ثم يأتي إلى البيت فيمكث إلى حين
--> ( 1 ) محلّة مستدام بيك ، كانت تعرف بمحلّة البستان ، ثم أنشأ بها أبو المحاسن نفيس جامعا عرف بالنفيسية حوالي سنة 850 ه ، ثم عمد مستدام بن عبد السلام ، من عتقاء السلطان قانصوه الغوري إلى تخصيص أوقاف واسعة على هذا الجامع فعرف والمحلّة به وذلك منذ سنة 920 ه . انظر : نهر الذهب 2 / 305 .